اسماعيل بن محمد القونوي
375
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بقاء أثرها ينسب الذنوب إليهم باعتبار السببية والحاصل أن المراد بالذنوب المتأخرة ذنوب التسبب وهو ذنوبهم لا مباشرة الذنوب فإنها ذنوب غيرهم لا تنسب إليهم مثلا سببية اصطيادهم معصية لهم والعقوبة والمسخ لأجل تلك الماضية ونفس الاصطياد ذنب غيرهم ولم يقع المسخ لذلك الذنب فلا إشكال بأنهم كيف يؤاخذون بذنب غيرهم « 1 » وقد قال اللّه تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] ولما كان هذا الوجه غير ملائم لقوله تعالى : ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 66 ] ) اخره إذ اللام في للمتقين صلة الموعظة فالأولى كون لام لما بين يديها صلة للنكال لا علة له . قوله : ( من قومهم ) بناء على أن اللام في لمتقين للعهد ( أو لكل متق سمعها ) فتكون اللام فيه للاستغراق شاملة لقومهم وغيرهم من الأمم الماضية والآتية والقريبة والبعيدة والحاضرة والغائبة فلو قال أو لمن رآها بعد قوله أو سمعها لكان أشمل وهذا الوجه الأخير هو لتلاؤم لما قبله والمقصود من هذه القصة إظهار معجزة رسولنا صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لأنه خطاب لليهود الذين كانوا في زمانه عليه السّلام فلما أخبرهم عن هذه القصة كما هو الواقع مع أنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه إنما عرفه بالوحي وأيضا فيه تهديد لهم بأنه ينزل بهم ما انزل بآبائهم إذا تمردوا وتجاوزوا الحق فلا يغتروا بالإمهال والظاهر أنهم بعدما صاروا قردة كانوا فاهمين عالمين ما نزل بهم من تغير الخلقة بسبب المعصية وكانوا في غاية من الخوف والخجل ولو أنهم بعدما صاروا قردة لم يكونوا عالمين بما حل بهم لم يكونوا متألمين بكونهم قردة فلا يظهر كون المسخة عقوبة والصحيح أنهم مكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يأكلوا ولم يشربوا ولم يبق لهم نسل قال القرطبي وحديث الفار والضب فإنما قاله حدسا لقوله لعله أي الضب من القرون التي مسخت وهذا حدس وظن قبل أن يوحى إليه أن الممسوخ لا يعيش ولا ينسل وما روى البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال رأيت في الجاهلية قردة فزنت فرجموها فرجمتها معهم لأن اليهود غيرت الرجم فأراد اللّه تعالى أن يقيمه في مسوخهم حتى يكون أبلغ في قيام الحجة على ما نكروه وغيروه حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم وممسوخهم فأجيب عنه بأن بعض الروايات لم يذكر فيها أنها زنت وإنما ذكر الرجم فقط وإنما أخرجه البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون أدرك الجاهلية ولم يقال بظنه الذي ظنه في الجاهلية وذكر ابن عبد البر أن عمرو بن ميمون كان من كبار التابعين من الكوفيين وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة كذا في اللباب « 2 » المقصود مجرد بيان نوع من قبائحهم وهو قوله : من قومهم أو لكل متق سمعها فاللام في للمتقين على التقديرين للاستغراق العرفي .
--> ( 1 ) كذا حقق شراح الحديث وهو قوله تعالى : ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) . ( 2 ) قوله وحديث الفاء وفي اللباب واحتج ابن العربي وغيره أن الممسوخ يعيش وينسل بقوله عليه السّلام إن أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت ولا أراها إلا الفاء ألا ترونها أنها إذا وضع لها البيان بل لم يشتريه -